السيد كمال الحيدري
337
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
وذلك من قبيل أنّ الماء مركّب من الأوكسجين والهيدروجين ، كما أنّنا عندما نرجع إلى الماء نجده مركّباً من عنصرين ، فتصوّر هؤلاء بأنّ الإنسان مركّب من عنصرين ، مع أنّ الأمر ليس كذلك فهو واحد حقيقي ، ولكن هذا الواحد الحقيقي يُعبّر عنه مرّةً ببعده الثابت حيث تكون النفس ، وأخرى ببُعده المتغيّر فنعبّر عنه بالبدن ، ولكنّه بدأ من البدن أي من المادّة ثمّ بحركة جوهريّة انتقل إلى مرحلة أخرى ، ومن غير الصحيح أن يتبادر إلى الذهن أنّ القول بأنّه « انتقل من المادّة إلى المجرّد » يعني أنّه ترك المادّة ، إذ إنّ هناك تعبيرين في الفلسفة الإسلاميّة . أحدهما : التنزّل على نحو التجافي . والثاني : التنزّل على نحو التجلّي . والمراد من الأوّل أنّ هذا الكتاب عندما يكون في هذا الموضع الأوّل ثمّ ننقله إلى الموضع الثاني ، فهو غير موجود في الموقع الأوّل الآن . وهذا التعبير ورد في القرآن الكريم بقوله تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ « 1 » يعني عندما يقوم فإنّ جنبه فارق المضجع . والمراد من الثاني غير ذلك وهو أيضاً تعبير قرآني حيث يعبّر القرآن عن نفسه بالتنزّل لا بالتجافي فيقول : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ « 2 » ، فما هو الفرق بينهما ؟ نوضح ذلك بالمثال : إذا كان عندنا مطلب عقليّ في الذهن وأردنا كتابته على الورقة ، فعندما ننقل هذا المطلب من الذهن إلى الورقة فهل هذا المطلب الموجود في الذهن هو على حاله ؟ بالطبع نعم ؛ لأنّه موجود ولكن نسخة منه نزلت على الورق .
--> ( 1 ) السجدة : 16 . ( 2 ) فصّلت : 30 .